ابن قيم الجوزية
559
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
درجات الإرادة قال « وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : ذهاب عن العادات بصحة العلم . والتعلق بأنفاس السالكين ، مع صدق القصد . وخلع كل شاغل من الإخوان ، ومشتت من الأوطان » . هذا يوافق من حدّ « الإرادة » بأنها : مخالفة العادة . وهي ترك عوائد النفس ، وشهواتها ، ورعوناتها وبطالاتها . ولا يمكن ذلك إلا بهذه الأشياء التي أشار إليها . وهي : صحبة العلم ومعانقته . فإنه النور الذي يعرّف العبد مواقع ما ينبغي إيثار طلبه . وما ينبغي إيثار تركه . فمن لم يصحبه العلم : لم تصح له إرادة باتفاق كلمة الصادقين . ولا عبرة بقطاع الطريق . وقال بعضهم : متى رأيت الصوفي الفقير يقدح في العلم . فاتهمه على الإسلام . ومنها : التعلق بأنفاس السالكين . ولا ريب أن كل من تعلق بأنفاس قوم انخرط في مسلكهم . ودخل في جماعتهم . وقال : « أنفاس السالكين » ولم يقل : أنفاس العابدين . فإن العابدين من شأنهم القيام بالأعمال . وشأن السالكين مراعاة الأحوال . وقوله : « مع صدق القصد » . يكون بأمرين . أحدهما : توحيده . والثاني : توحيد المقصود . فلا يقع في قصدك قسمة . ولا في مقصودك . وقوله : « وخلع كل شاغل من الإخوان ؛ ومشتت من الأوطان » . يشير إلى ترك الموانع ، والقواطع العائقة عن السلوك : من صحبة الأغيار ، والتعلق بالأوطان ، التي ألف فيها البطالة والنذالة . فليس على المريد الصادق أضر من عشرائه ووطنه ، القاطعين له عن سيره إلى اللّه تعالى . فليغترب عنهم بجهده . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . قال « الدرجة الثانية : تقطع بصحبة الحال ، وترويح الأنس ، والسير بين القبض والبسط » أي ينقطع إلى صحبة الحال . وهو الوارد الذي يرد على القلب من تأثيره بالمعاملة ، السالب لوصف الكسل والفتور ، الجالب له إلى مرافقة الرفيق الأعلى ، الذين أنعم اللّه عليهم . فينتقل من مقام العلم إلى مقام الكشف ، ومن مقام رسوم الأعمال إلى مقام حقائقها وأذواقها ، ومواجيدها ، وأحوالها . فيترقى من الإسلام إلى الإيمان ، ومن الإيمان إلى الإحسان . وأما « ترويح الأنس » الذي أشار إليه : فإن السالك في أول الأمر يجد تعب التكاليف ومشقة العمل . لعدم أنس قلبه بمعبوده . فإذا حصل للقلب روح الأنس زالت عنه تلك التكاليف والمشاق . فصارت قرة عين له . وقوة ولذة . فتصير الصلاة قرة عينه ، بعد أن كانت عملا عليه . ويستريح بها ، بعد أن كان يطلب الراحة منها . فله ميراث من قوله صلى اللّه عليه وسلم « أرحنا بالصلاة يا بلال » ، « وجعلت قرة عيني في الصلاة » بحسب إرادته ، ومحبته ، وأنسه باللّه سبحانه وتعالى ، ووحشته مما سواه . وأما « السير بين القبض والبسط » . ف « القبض » و « البسط » حالتان تعرضان لكل سالك . يتولدان من الخوف تارة ، والرجاء تارة . فيقبضه الخوف . ويبسطه الرجاء .